كنيسة بيت ايل المحلية - حيفا

أُمّهات العَهْد القدِيم

 أُم موسى

("إذهبي بهذا الولد وأرضِعيه لي ", خر 2: 9 )

لقد أصدر فرعون حكم الموت ضد كل ذكر من بني إسرائيل . خبّأه أهله لمدة ثلاثة شهور ," لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ "(عب 11: 23) على أنفسهم , وأمّا الآن فإنّهم لا يستطيعون الإحتفاظ به بأمان , لفترة أطول. إنّ وجود أيّ طفل بأيّ بيت لا بد وأنْ يُفتَضَح سريعاً.

نطلق العنان لمخيَّلتنا لنرى دموع محبة أُمِّهِ , مخاوفها وصلواتها المسموعة , بينما كانت تُجَهِّز " سفط البردى " الصغير , سَلَّة للعمل من القصب التى كانت تستعمل عادةً , مطلِيَّة بالحمر والزِّفت لمنع دخول الماء إليها , عاملة كلّ هذا بإيمانٍ بسيط .

ثلاث مرات يخبرنا الكتاب بأنّ موسى كان حسن وجميل جداً ( خر 2: 2 , أع 7: 20 ,

عب 11 : 23) بينما أضجعته أُمّه في السّفط بين الحلفاء , فقد قبَّلَتْهُ , وصلَّت لأجْلهِ وطلبت من أُخْتِه أن تراقبَهُ .

إنّ الرب أيضاً كان يراقبه . أحداً لم يتعرف عليه . ولكن هذا الطفل الصغير سوف يكون القائد العظيم  عبد الله المختار  الذي سوف يحرّر شعبه من القيود القاسية , وقادهم للأرض التي وعدهم بها الرب .

يا لها من آمال عريضة قد اُرْتَبطت بهذا الصبي الصغير . كما يبدو , كانت خطّة أُم موسى إسْترْجاعه للبيت إذا لم يحدث شئ , ومواصلة وضعه مرة أُخرى بين الحلفاء  حتى تُجازى على إيمانها . لم تعزم ترْكَهُ لقدره غير الأكيد .

ولكن في ذلك اليوم , باكراً جداً , جائت إلى المكان إبنة فرعون , واُكتشفت وجود الطّفل . لقد أثار , كما يبدو , هذا التّرْك , ومنظر الطفل المبلول , عواطفها الطّبيعية , فأصبحت هي نفسها حاميته .لقد كان هذا بالتأكيد " مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ "(اف 1: 11) . يا ليت يتأكّد كُلَّ إبن للله , في كل

 ظروف الحياة , من "عُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الِاسْتِقْصَاءِ!" (رو 11: 33) . إن الله يعرف مستقبل كل مؤمن وهو بعد في الرحم (مز 71: 6 ؛ إش 44: 2 ؛ إر 1: 5 ؛ مت 1: 20, 21 ؛ لو 1: 15, 31 ؛ 2: 11 ؛ غل 1 : 15 ) . خطّة الله يجب أنْ تتم ولا يمكن إيقافها , حتى بأوامر من الملك نفسه .  لقد كان بنو اسرائيل يرزحون تحت القيود , يإنّون تحت يد أسيادهم القساة . ولكن الله قد تَذكَّرَهُم (خر2 : 24 ) , حتى عندما اُختار ألا يُظْهِرَ نفسه , فهو ما زال هناك , يراقب . لقد اُستخدم الله إيمان الأُم , العطْف الطّبيعي للأَولاد لإمرأة أخرى , والذّكاء السّريع لفتاة صغيره , التى اُقترحت لبنت فرعون بأن  تذْهَبُ "وَأَدْعُو لَكِ امْرَأَةً مُرْضِعَةً مِنَ الْعِبْرَانِيَّاتِ لِتُرْضِعَ لَكِ الْوَلَدَ " (خر 2 :7 ) , كإبن إبنة فرعون , سيصبح موسى متهذِّب  " بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ وَكَانَ مُقْتَدِراً فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ " (اع 7 : 22) . إننا نتعلم عن هذه الحكمة من آثار ورواسِم الحضارة المصرية التي تكشّفَت لنا , وشهادة معروفة لإنجازاتهم في البناء والتّخطيط , الشعر والرسم , النحت والموسيقى , التّشريح والطب , القانون وعلم الفلك , وفروع أُخرى تشمل مُعْظم المعرفة البشرية . لقد كان المصريون أوّل من بنى القوارب . لقد كان لموسى فرص غير محدودة , وخزائن مصر تحت تصرفه حسبما شاء يقول الكتاب " بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ" .

لكن هناك أمر لم يستطع تعلُّمِهِ من المصريين وعلَّمته إيّاه والدته , بعد أنْ بلغ كفاية , لكي يفهم , عن إلهه , وعن  " إخوته " وعن شعب الرب .. لقد كانت هي التي رعتْه بالرب ووضعت أمامه طريق الحياة وعندما " تمّت له المدَّة " إختار ألا " يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِباً عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ " (عب 11 : 24- 26) . لقد اصبح يهوة الهه ايضاً  (خر 18 : 4 ) . إنّنا لعلى يقين بأن عمران ويوخاباد بنفس واحدة قد أنقذوه من الموت , ولاحقاً , ساهموا في تنشأته روحياً ( أع 7 : 20 , عب 11 : 23 ) .

كل إنسان قد تربى بحسب المعايير الأخلاقية , بعيداً عن معرفة الله , يشهد لأهميّة

الرّعاية الصّحيحة للأُمّهات المسيحييّات في كل جيل ولمهمّاتها المباركة .

تذكرنا كلمات الأميرة المصريّة ليوخاباد بالمهمة التي ألقيت على عاتق كل أُم مسيحيّة " اذْهَبِي بِهَذَا الْوَلَدِ وَأَرْضِعِيهِ لِي" . مازال الرّب , حتى اليوم , يتكلم لكل أُم بكلمات الأَميرة المصريّة . والله , كعادته دائماً , يضاعف بركته " وَأَنَا أُعْطِي أُجْرَتَكِ " (خر 2: 9) , و"اكرم الذين يكرمونني " ( 1صم 2 : 30) .

لقد كان فرحاً عظيماً أنْ تعتني أمّ موسى باُبنها حتى بدون اجرة أيضاً , ولكن الله لا يمكن أنْ يكون مُدِيناً لانسان . وكل عطاياه بالّمجان إن أُعْطِيَت بالإيمان . بل من دواعي سروره الدّفْع أيضاً .

يُعتبر موسى من أكثر البشر تأثيراً على التاريخ , وله إكرام خاص ومنزلة رفيعه بين عبيد الرب .

لنتذكر , للله مقاصد عظيمة من وراء دعوة الأُمّهات , ويخصَّهم بنعم مميَّزة ( 1تيم 2 :15 ؛ 5 : 10 ) .

" يا لسعادة ذلك البيت الذي به يُهَبوا لَهُ الصغار مُبَكِّراً , بإيمان متواضع وصلاة , حتى يكون صديقهم , والذي من أعالي السّماوات يقودهم , ويعتني بهم بحرص أعظم مّما تفعل الأُمّهات " (كارل سْبِتّا ) .

" هُوَذَا الْبَنُونَ مِيرَاثٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ثَمَرَةُ الْبَطْنِ أُجْرَةٌ. كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ. طُوبَى لِلَّذِي مَلَئَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ. لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ " (مز 127 : 3-5) .